Wednesday, September 1, 2010

من فيض مشاعري



من فيض مشاعري

خالص عزمي
الأعظمية .. وذاك قرص الشمس يتحاور معها مودعا والصبية الذين ما زالوا يمرحون في ازقتها يلوحون لها وهي ترسل حرير خيوطها الذهبية ردا على تحيتهم

لقد تعود اطفال راس الحواش ؛ والسفينة ؛ والحارة ؛ وراغبة خاتون ؛ والنصة ؛ والشيوخ .........أن يحتفلوا باللعب ؛ والتقافز ؛ والصراخ احيانا ؛ بينما سماعات جامع ابي حنيفة النعمان تنقل حفل المولود النبوي الى ابناء الأعظمية وظيوفهم . اما العوائل القريبة من ساحل دجلة فقد اتخذت اماكنها على كورنيشها الهاديء من زاوية الجسر الخشبي القديم في محلة السفينة حتى نادي النداء الاجتماعي الذي لايبعد كثيرا عن المقبرة الملكية . بينما تتولى عوائل البيوت القائمة على ذلك الكتف الأنيس من تلك المحلة ؛ بتقديم ما يتناسب وكرم الظيافة الى ذلك الحشد من الأسر الزائرة التي تنصت بخشوع الى المنشدين وهم يصعدون أصواتهم عاليا بأشعار تمجد وتشيد بهذه السيرة العطرة . اما الطقس فرقيق المطلع ؛ ونث الشواطيء يزيده عذوبة وميسرة في الجلوس لساعات متأخرة ؛ ذلك أن الأمان والإطمئنان وصيغة اللقاء وما به من حميمية تضفي كلها على الحاضرين حالة من الرغبة الملحة بالتواصل مع تلك السويعات السخية بالود والهناءة .ا

في الأماسي القمرية الصيفية : تنطلق عادة زوارق الشباب بألوانها الزاهية من جسر الاعظمية حتى جسر الصرافية وبالعكس وعلى جنبات أكثرها هواة العزف وقراءة المقامات المناسبة : كالاوشار ؛ والبهيرزاوي ؛ والجمال ؛ والخنبات ؛ واللامي الخ في حين تكون ضفاف دجلة عامرة بالجراديغ التي تحتشد عندها موائد عشاق السهر والطرب والحوارات الأنيسة ؛ من الذين يتلقفون ما يجود به مغنو تلك الزوارق من فصيح الشعر و بعض الزهيريات : ليرددوا بعد تسليم المقام ما تنطلق به حناجرهم من بستات تتلائم وتلك المقامات مثل ( يازارع البزرنكوش ؛ وعسَنّك ؛ وعلى شواطي دجلة مر ؛ وغنية يا غنية ؛ ويانبعة الريحان ؛وخيه لوصي المار ؛ والليلة حلوه وجميله ... وغيرها )ا

لقد كانت الأعظمية موئلا لمختلف طوائف العراق وملله ونحله ؛ وقد سكنها عدد كبير من أعاظم الشخصيات البارزة آنذاك في الطب والأدب والفن والهندسة والقانون والعلوم والوعظ و أقطاب السياسة ( رؤساء وزراء ؛ ووزراء ؛ وسفراء ؛ وقادة احزاب ومحافظون وقضاة وغيرهم) ؛ بالاضافة الى انها كانت مصيفا يعتد به لكثير من العوائل التي لم يكن يطيب لها السفر الى مسافات بعيدة بغية الإصطياف ؛ لهذا كنت تجد في تلك الفترة الزمنية مقاهيها ونواديها تجمعا لعدد وفير من فئات النــــــــاس ( وعلى مختلف الأهواء والمشارب ) حيث تلتقي كلها في جو من المحبة وصفاء الروح . اما المجالس فقد كانت هي الأخرى ملتقى كبار رجال الفكر والأدب والشعر والفن والقانون ... الخ حيث تتلاقح بها الافكار وتنشد القصائد ؛ وتلقى المحاضرات وتتواصل المناقلة في الحوارت الهادئة وغيرها ؛ وعلى ذات المستوى ايضا كانت تقام معارض الفن التشكيلي لتتدفق بالوانها أو تزهو بمنحوتاتها وخزفها في اركان عدة من هذه المدينة الخلابة .كما كان للمسرح في بعض قاعات المدارس والمعاهد والنوادي الإجتماعية حضور واضح وتأثير مباشر على رواده الكثر

ومع ان أسواق الأعظمية على تلك الايام ؛ كانت بسيطة في مظهرها الا انها في ذات الوقت ؛ كانت غنية بموادها التي تعطي صورة حقيقية عن خيرها العميم ورخص اسعارها ؛ لذا فقد كنت ترى المتبضعين وهم يمثلون مختلف سكان المحلات وكأنهم في كرنفال عفوي لاتقف أمام تواصل عطاءه أية عوائق او موانع ؛ لقد كانت تلك اللقاءات قريبة جدا من صورة واقعية لتجمع اسري واحد

في الصباح الباكر ايضا ؛ ترى افواج التلاميذ والطلبة وهي تتوجه الى مدارسها او كلياتها او معاهدها ؛ ولم اشاهد طيلة مكوثي هناك ان أمّا راحت توصل طفلها الى مدرسته خوفا عليه مما قد يتربص له ؛ ذلك لان مثل هذا الخوف لم يكن له أساسا أصلا ؛وعليه فقد كان اعتماد الأطفال على أنفسهم مغروسا في طباعهم ؛ ولم يكن ذلك الاعتماد المباشر على النفس عفويا بل كان نتيجة للشعور بالأمان والإطمئنان

اما حديقة النعمان فمع كونها صغيرة بمساحتها ؛ الا انها كانت متنزها عامرا تملأ حواشيه واركانه العوائل عصرا مع كل متطلبات النزهة والترفيه الإجتماعي ؛كما كانت السينما الوحيدة المجاورة لها هي الاخرى موضع اقبال جمهرة من الناس على عروضها المتواصلة . اما النادي الاولمبي في ساحة عنتر والذي اشتهر بأبهته وأناقته وهيبته ؛ فقد كان موقعا متميزا من المواقع الرياضية والإجتماعية والترفيهيه ؛ وقد كان لأعضاءه دور هام في تفعيل الحركة الرياضية والثقافية والاجتماعية لا على مستوى مدينة الأعظمية وحسب بل على مستوى القطر بعامة .ا

لقد سقت تلك النبذة المتواضعة المشرقة ـــ وهي غيض من فيض ـــ لأنتقل منها الى عرض لقطات سيئة سجلتها عدسة الوقائع اليومية لما حل بالاعظمية ؛ تلك الزهرة اليانعة العطرة ؛ من لحظة نزول قوات الاحتلال الغاشم على تربة الوطن الغالي مرورا بمآسي السنوات السبع العجاف وحتى يومنا هذا :ا

جدران عازلة وفاصلة للمحلات والازقة والبيوت ؛ بطول خمس كيلو مترات وارتفاع ثلاث امتار ونصف المتر على الاقل .ا
إهمال كامل للمدينة ؛ حيث ترى الأزبال والنفايات مكدسة بشكل مقزز في الأزقة والطرق العامة .ا

إنقطاع كبير في التيار الكهربائي ؛ وتوقف المولدات الخاصة عن التغذية لنفاذ الوقود .ا

إنقطاع ماء الشرب عن البيوت لايام كثيرة دون اية معالجة فورية لذلك

منع التجوال اولا ؛ ومن ثم مداهمات واعتقالات عشوائية تطال الاسر كافة صباح ومساء

أعمال عنف مبرمجة و مدمرة تستهدف البيوت والمحلات ودور العبادة في مختلف بقاع الاعظمية .ا

تعمد أحداث نقص كبير في الأغذية والأدوية وفرض حصار يومي خانق بطرق واساليب مختلفة .ا

صعوبة التنقل من والى الأعظمية ؛ لإنقطاع المواصلات وتوقف وسائط النقل

إنهيار تام لأقسام الطواريء في المستشفيات والمراكز الصحية في الأعظمية والتوقف عن قبول الحالات المرضية العاجلة ؛ مما اضطر العيادات الخاصة كافة لاستقبال المراجعات الطارئة كخدمة انسانية لتلافي تلك الازمة الحادة .ا

ان كل حرف في هذه الكلمة ينزف ألما مدمى من فرط ما أصاب مشاعري من احباط غمره الحزن على ما حل بتلك المدينة الوديعة النبيلة المتسامحة من أذى وحشي مدمر؛ ولقد سبق لي ان أتيت على وصف لجزيئات من شروره في مقالين سابقين نشرا لي على نطاق واسع (+) .ا

ان الأعظمية التي عرفت بشكيمتها وعلو مكانتهاعلى المستويين التأريخي والمعاصر ؛ سوف تنفض ــ لاشك ــ عنها غبار الظلم الهمجي الذي أصابها ؛ وستعانق شمس الحرية ثانية ؛ كما فعلت في كل أدوار مسيرتها الشجاعة ا الشماء .ا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(+ )
شارع عمر بن عبد العزيز ـ نشر بتاريخ 24/4 / 2006 ؛ ومحلة السفينة والاجتياح الاخيرنشر بتاريخ 17 /5 / 2006